سيد محمد طنطاوي

176

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

الضلال . * ( مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ ) * أي داخل معكم النار وعلى غير اختيار منه . وإنما يساق إليها سوقا في ذلة ومهانة . وهنا يقول زعماء الكفر : * ( لا مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صالُوا النَّارِ ) * أي : لا مرحبا ولا أهلا بهؤلاء الداخلين في النار معنا ، لأنهم سيصلون سعيرها مثلنا ، ولن يستطيعوا أن يدفعوا شيئا من حرها عنا . . . فقوله * ( مَرْحَباً ) * مفعول به لفعل محذوف وجوبا ، والتقدير : أتوا معنا لا مرحبا بهم . والجملة دعائية لا محل لها من الإعراب أي : لا أتوا مكانا رحبا بل ضيقا ، وهنا يحكى القرآن رد الفوج المقتحم للنار معهم فيقول : * ( قالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ . . ) * . أي : قال الداخلون في النار وهم الأتباع لرؤسائهم : بل أنتم الذين لا مرحبا بكم ، وإنما الضيق والهلاك لكم . * ( أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوه لَنا فَبِئْسَ الْقَرارُ ) * أي : لا مرحبا بكم لأنكم أنتم أيها الزعماء الذين تسببتم لنا دخول النار معكم ، إذ دعوتمونا في الدنيا إلى الكفر فاتبعناكم ، فبئس القرار والمنزل لنا ولكم جهنم . فالجملة الكريمة تعليل لأحقية الرؤساء بدخول النار ، ويقولها الأتباع على سبيل التشفي منهم . ثم يضيفون إلى ذلك قولهم : * ( رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا فَزِدْه عَذاباً ضِعْفاً فِي النَّارِ ) * . أي : يا ربنا من كان سببا في نزول هذا العذاب بنا ، فزده عذابا مضاعفا في النار ، لأننا لولا هؤلاء الرؤساء وإضلالهم لنا ، لما صرنا إلى هذا المصير الأليم . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - حكاية عنهم : وقالُوا رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا . رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ والْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً « 1 » . ثم حكى - سبحانه - ما يقوله أئمة الكفر ، عندما يدورون بأعينهم في النار ، فلا يرون المؤمنين الذين كانوا يستهزئون بهم في الدنيا فقال : * ( وقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الأَشْرارِ . . ) * . أي : وقال رؤساء الكفر على سبيل التحسر والتعجب وهم ملقون في النار ما لنا لا نرى معنا في جهنم رجالا من فقراء المؤمنين ، كنا نعدهم في الدنيا من الأراذل الأخساء ، لسوء حالهم ، وقلة ذات يدهم . قال القرطبي : قال ابن عباس : يريدون أصحاب محمد صلَّى اللَّه عليه وسلم يقول أبو جهل : أين

--> ( 1 ) سورة الأحزاب الآيتان 67 ، 68